أخر الأخبار

فيلم برشامة

حين تتحول الكوميديا إلى تطبيع للخطأ

🔗 رابط مختصر للمشاركة

فيلم برشامة
حين تتحول الكوميديا إلى تطبيع للخطأ .

بقلم/ عاطف البطل
كاتب صحفي . aeatef@gamil.com
ما أمضّني ما سمعته عن فيلم (برشامة) وهو أحد الأفلام المصرية التي تم عرضها خلال موسم عيد الأضحى الماضي في مايو 2026 ، حيث حدّثني عنه أحد الأقارب من ذوي الرحم، فصممتُ على مشاهدته لأتأكد من صحة ما ذكره بخصوص ذلك الفيلم، وخصوصا أنه أثار حالة من الجدل بين عدد من المشاهدين؛ بسبب ما اعتبروه تجاوزًا لبعض الخطوط الحمراء المتعلقة بالأخلاق والدين ، بزعم أنه تحت مظلة الكوميديا والترفيه، وكأن الكوميديا تخوّل لنا التحدث في جميع القضايا التي تتعلق بالمذاهب والأديان أو حتى الأوطان ؟.
و الجدل هنا لا يتعلق بالقصة أو الأداء الفني فحسب، بل يمتد إلى طبيعة الرسائل التي يقدمها هذا العمل، والطريقة التي يتم بها تناول بعض القيم الدينية والسلوكيات المجتمعية الحساسة التي تتعلق بطبيعة العلاقة بين الناس فيما بينهم، وطبيعة العلاقة بين الناس والله- سبحانه وتعالى- وبين الناس والدين .
إنّ الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه والضحك أو قضاء وقت ممتع فقط كما يظن أغلب الناس، بل هو أداة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي للجماهير تجاه بعض القضايا التي قد تكون مهمة، خصوصًا لدى فئة الشباب والمراهقين الذين يتفاعلون بشكل كبير مع ما يُعرض على الشاشات بل يحاولون تقليده والاقتداء به.
وقد ذكرت سابقًا في أحد مقالاتي أنّ الفن بجميع أنواعه وفنونه له هدف نبيل، فهو يعبر عن قضايا المجتمع ،فيعرضها ويقوم بتشخيصها ويضع الحلول والمقترحات لمعالجتها، وأنا هنا أتساءل هل هذا الفيلم( برشامة)-الذي قام بتأليفه ثلاث شخصيات معروفة – يقوم بذلك مؤديًا الهدف النبيل المفترض أن يؤديه الفن ؟
وللإجابة عن هذا التساؤل يجب أن أضع هذه الملحوظات عن ذلك الفيلم أمام عينيك أيها القارئ الكريم حتى تتضح الصورة ويكون الحكم مشتركا بناء على بيّنة وأدلة واضحة لا تقبل الشك أو التأويل :
أولا – اعتماد هذا الفيلم على حوارات ومشاهد تُظهر ارتكاب الأخطاء والمعاصي باعتبارها أمورًا عادية يمكن تجاوزها بسهولة من خلال التوبة اللاحقة المضمونة بكل تأكيد، فأحد الممثلين ذكر أنه(( يرتكب الذنب عادي ويتوب تاني يوم والتوبة تتقبل)) وهذا الطرح يختزل مفهوم التوبة في صورة مبسطة وكأنها مضمونة على الفور وفي اليوم التالي كما ورد في أحد المشاهد وهذا لا يعكس أبعاده الدينية والأخلاقية العميقة.
فالتوبة في جوهرها ليست مجرد كلمات تُقال أو وسيلة لمحو الخطأ دون ندم أو مراجعة للنفس، بل هي قيمة روحية تقوم على الصدق والإقلاع عن الذنب،والعزم على عدم العودة إليه وهذا هو شرط قبولها من الله عز وجل .
ثانيا : تضمّن هذا الفيلم، عبارات تحمل الكثير من الدلالات التي تتعلق بقضايا دينية شديدة الحساسية، تناولت موضوعات مرتبطة بالجنة والنار والثواب والعقاب بأسلوب ساخر لا ينسجم مع الاحترام الواجب للمعتقدات الدينية.
وقد يقول البعض أنّ الكوميديا تعتمد أحيانًا على المبالغة أو المفارقة، ولكن نقول لهم أنّ هناك قضايا دينية، لابد أنْ تكون خارج نطاق السخرية أو التناول الساخر بسبب مكانتها في وجدان المجتمع.
ثالثا : يقدم هذا الفيلم بعض السلوكيات الضارة بالفرد والأسرة والمجتمع، مثل تعاطي المواد المخدرة أو تشجيع الآخرين عليها، في إطار كوميدي هدفه في الفيلم التخفيف من خطورتها أو التقليل من آثارها السلبية، ( كما حدث في بعض المشاهد من قبل أحد الممثلين حيث يعرض المخدرات المحشوة داخل السيجارة على بعض الفتياتات المحجبات، ويعلمها كيف تتعاطاه بسهولة ويسر) وهو بذلك يشجع الشباب على تناول المخدرات، وهذا يتنافى مع الدين والقانون، وخاصة في ظل الجهود المجتمعية والرسمية المبذولة لمكافحة آفة المخدرات والتحذير من آثارها المدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع.
رابعا : الاستهانة بالذات الإلهية بإدخال اسم الله -جلّ وعلا -في مواقف سخرية واستهزاء وكذلك إدخال اسم الإمام أحمد بن حنبل في مواقف ساخرة خاصة بالحكم الخاص بالحلال والحرام . فالعبارات التي وردت على لسان بعض الممثلين صادمة بالفعل بصورة خطيرة ، وكأنهم نسوا أو تناسوا قَوْلَ الله تَعَالَى:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]
فأحكام القرآن والسنة لا يجوز أنْ تأتي في مواقف كوميدية ساخرة، لأنّ ذلك قد يمثل هدما للقيم والأخلاق وثوابت الدين ، ووضع ذلك في قالب يبدو كأنه مقبول مألوف عند الناس ، فهذا لا يرضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين.

وأنا هنا أنوه على أمرين مهمين :
الأمر الأول :
إنّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في عرض الخطأ أو مناقشة الظواهر السلبية، فالفن الجاد لطالما تناول قضايا الانحراف والجريمة والمخدرات والعنف وغيرها من المشكلات الاجتماعية. بل إن كثيرًا من الأعمال الخالدة نجحت في تسليط الضوء على هذه القضايا بجرأة وعمق. لكن الفارق يكمن في الكيفية التي تُقدَّم بها هذه القضايا؛ فهناك فرق واضح بين معالجة الظاهرة بهدف التحذير منها وكشف آثارها السلبية، وبين تقديمها في قالب يجعلها تبدو مقبولة أو مثيرة للضحك أو قليلة العواقب. فما بالكم إذا كان ذلك يتعلق بالسخرية والاستهزاء بالقضايا الدينية.
الأمر الثاني : إنّ حرية الإبداع، على أهميتها، لا تتعارض مع المسؤولية المجتمعية. فالفنان والكاتب والمخرج يمتلكون تأثيرًا واسعًا على الرأي العام، ومن ثَمّ فإنّ الرسائل التي تتضمنتها أعمالهم، لا يمكن فصلها عن البيئة الثقافية والدينية التي يتلقاها الجمهور.
ومن هنا تأتي أهمية الموازنة بين الجرأة الفنية وبين احترام الثوابت الدينية والأخلاقية التي تشكل جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع.
ولا يعني ما أقوله هنا أنّي أدعو إلى فرض الوصاية على الفن أو تقييد حرية التعبير كما سوف يزعم بعضهم ويتهمني به ، بل التأكيد على أنّ الفن الأكثر نجاحًا وتأثيرًا هو ذلك الذي يجمع بين الإبداع والمسؤولية، ويستطيع أن يطرح القضايا الشائكة دون أن يتحول إلى منصة لتبرير السلوكيات الخطأ أو التقليل من خطورتها.
ولا ننسى أنّ جميع الأعمال الفنية التي تقدم للجماهير لم تعد محصورة في دور العرض السينمائي فقط، بل أصبحت تنتشر بسرعة عبر جميع المنصات الرقمية، وجميع مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم تداول المقاطع القصيرة من هذه الأفلام والعبارات المثيرة التي جاءت فيها على نطاق واسع، وقد تصل إلى ملايين المشاهدات خلال ساعات قليلة. وهنا يصبح تأثير المشهد أو الجملة الواحدة أكبر بكثير مما كان عليه في الماضي، فما يأتي من ألفاظ غير مقبولة تلوكوها ألسنة بعض الممثلين قد يتحول إلى سلوك دارج بما يعرف بالإفيهات بين الشباب يرددونها دون وعي.
وفي النهاية، يبقى السؤال وهو من حق المشاهد أن يتساءل عدة تساؤلات:
ما الرسالة التي يغادر بها قاعة السينما بعد انتهاء العرض؟وهل يخرج أكثر وعيًا بخطورة بعض السلوكيات السلبية والمعاصي والأخطاء التي وردت في الفيلم ، أم أكثر تسامحًا معها؟ وهل يسهم العمل الفني في ترسيخ القيم الإيجابية وتعزيزها، أم يشارك – بقصد أو بغير قصد – في إضعافها وتهميشها بل ومحاولة تقليديها؟
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة جزءًا من الحوار المجتمعي الضروري حول دور الفن وحدود تأثيره ومسؤوليته في بناء الإنسان وصيانة منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع .
إنني أدعو جميع مؤسسات الدولة التي لها علاقة بجميع الأعمال الفنية أن تقوم بدورها المنوط بها حفاظا على هوية المجتمع من الضياع؛ لأن ما يعرض بهذا الشكل يمثل معول هدم في أركان المجتمع وسوف يتجرع الجميع مرارته.
وأخيرا أذكركم بدعوة فخامة الرئيس السيسي- قبل عدة سنوات- إلى الارتقاء بالفن والإعلام والذوق العام، وتقديم أعمال فنية ترتقي بالقيم والذوق العام وليس مجرد السعي وراء الربح أو الإثارة.

{“data”:{“product”:”tiktok”,”editingEffectsList”:[],”isSaveLocalReupload”:false,”is_default_prop”:”MA==”}}

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *