هنا نابل

بقلم/ المعز غَنِـي
سؤالٌ أبكى قلبي طويلًا …!
من بين الأسئلة التي مرت بخاطري ، وأستوقفتني طويلًا عند مفترقات التأمل والتفكر ، سؤالٌ بسيط في ألفاظه ، عميق في معانيه ، كلما حاولت تجاوزه عاد إليّ بإلحاح أكبر :
لو كانت الدنيا جميلة كما نظن ، فلماذا ندخلها ونحن نبكي؟
ولو كانت خالية من الألم والتعب ، فلماذا نخرج منها ويغسلون أجسادنا قبل الوداع؟
سؤالٌ ليس المقصود منه التشاؤم ، ولا الدعوة إلى الزهد المطلق في الحياة ، وإنما هو دعوة إلى فهم حقيقتها كما هي ، بعيدًا عن الأوهام والزخارف التي تخدع الأبصار .
حين يولد الإنسان ، يكون أول ما يُعلن عن قدومه إلى الدنيا صرخة .
صرخةٌ تملأ المكان حياةً ، لكنها في الوقت ذاته تحمل رمزًا عجيبًا ، فكأن أول رسالة يبعثها القادم الجديد إلى هذا العالم تقول إن الرحلة لن تكون سهلة ، وإن الطريق سيحمل أفراحًا وأحزانًا ، نجاحات وإخفاقات ، لقاءات ووداعات .
ثم تمضي الأيام ، ويكبر الإنسان وهو يركض خلف أحلامه .
يفرح حينًا ، ويحزن حينًا ، ويظن في بعض المراحل أن الدنيا قد إبتسمت له إلى الأبد ، ثم يفاجأ بأنها لا تعطي أحدًا عهدًا بالاستقرار .
فهي تُبدل الأحوال كما تبدل الفصول ألوانها ، وتُعلمنا كل يوم درسًا جديدًا في حقيقة التغير .
الدنيا ليست شرًا مطلقًا كما يتصور بعض الناس ، وليست جنة كاملة كما يتخيل آخرون .
إنها ميدان إختبار ، ومدرسة كبرى نتعلم فيها معنى الصبر عند البلاء ، والشكر عند العطاء ، والرضا عند تقلب الأحوال .
فيها نضحك حتى تدمع أعيننا من الفرح ، وفيها نبكي حتى نعتقد أن الدموع لن تجف ، فيها نلتقي بأناس يتركون في أرواحنا أثرًا جميلًا ، وفيها نفترق عن آخرين فنشعر أن جزءًا من قلوبنا رحل معهم .
وفي كل ذلك نتعلم أن لا شيء يدوم .
فالجمال يذبل ، والقوة تضعف ، والمال ينتقل من يد إلى أخرى ، والمناصب تتغير ، والأيام تمضي دون أن تلتفت إلى أحد .
وربما لهذا السبب ندخل الدنيا باكين ونغادرها صامتين .
ندخلها ونحن لا نملك شيئًا ، ونخرج منها بعدما نترك كل شيء خلفنا .
نأتي إليها بأيدٍ فارغة ، ونرحل عنها دون أن نحمل معنا إلا أعمالنا وذكرياتنا وأثرنا بين الناس .
وحين يُغسَّل الإنسان قبل رحيله الأخير ، تتجلى أعظم الحقائق وأبسطها في آن واحد ؛ حقيقة أن كل ما كان يظنه ملكًا له لم يعد له ، وأن الرحلة التي شغلته سنوات طويلة قد وصلت إلى محطتها الأخيرة .
هناك فقط تسقط الألقاب ، وتتلاشى الفوارق ، ويصبح الناس سواءً أمام الحقيقة الكبرى .
لهذا لا ينبغي أن تغرنا زينة الدنيا مهما أبهرتنا ، ولا أن تحطمنا قسوتها مهما أثقلت قلوبنا ، فهي ليست نهاية الطريق ، بل جزء منه .
إن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس ثروةً تُقسَّم ، ولا منصبًا يُنسى ، بل أثرًا طيبًا يبقى في القلوب ، وكلمةً صادقة تضيء دروب الآخرين ، وخلقًا حسنًا يجعل الناس يذكرونه بالدعاء كلما مر إسمه على ألسنتهم .
فالأعمار تُطوى كما تُطوى صفحات الكتب ، لكن بعض الكلمات تبقى ، وبعض المواقف تبقى ، وبعض القلوب التي أحسنت إلى الناس تبقى حيةً حتى بعد غياب أصحابها .
ويبقى السؤال الذي ما زال يطرق باب فكري كلما تأملت رحلة الحياة :
هل خُلقنا للدنيا ، أم خُلقت الدنيا لتقودنا إلى ما هو أبقى منها؟
سؤالٌ أترك إجابته لكل قلبٍ يتأمل ، ولكل عقلٍ يتدبر ، ولكل روحٍ تبحث عن الحقيقة بين ضجيج الأيام وصمت المصير .
في الختام لا يسعني إلا أن أرفع يدي بالدعاء
اللهم نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلى أن تُحسن خاتمتنا وتلحقنا بالأنبياء والصحابة والصالحين والشهداء .
اللهم آمين … آمين … آمين يا رب العالمين
بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف






