عاطف البطل يكتب : من قتل بائعة الشاي؟

🔗 رابط مختصر للمشاركة

كتب / عاطف البطل

لم تمت بائعة الشاي لأنّ القدر اختار موعد رحيلها فحسب، بل ماتت لأنّ هناك من استهان بالقانون، ومن استهان بالمسؤولية، ومن استهان بأرواح الناس …
لقد خرجت الفتاة هدير وهي في مقتبل العمر تحمل أحلامها على كتفيها، كان حلمها بسيطا جدا ، ومع ذلك لم نعطها الفرصة لتحقيق ذلك الحلم ، فلم تكن تبحث عن الشهرة، ولا عن الثروة، لم تبع جسدها ولم تبث فيديو قصيرا  على توك توك لاستمالة عاطفة أحد ، بل كانت تبحث فقط عن رزق حلال، عن يوم جديد تضيف فيه بعض النقود إلى دخلها البسيط، وعن مستقبل أفضل تنتظره بصبر طويل مثل المكافحات من النساء .
كانت هدير تبيع الشاي…تبيع الدفء للمارين، تبيع الابتسامة مجاناً ، تبيع الأمل بألم لنفسها ، لكنها لم تعد إلى منزلها لا هي ولا عربتها التي سوف يفتقدها الشارع الحزين .
لقد انتهت كل أحلامها التي رسمتها في مخيلتها مع أسرتها ورفيقة دربها ، وسقط الأمل الذي كان يقاوم الحياة معها بكل قوة وإصرار.
والسؤال الذي يوجع القلب :
لماذا ماتت هدير ؟ لماذا تدفع ثمن خطأ لم ترتكبه ولم تشترك فيه ؟لماذا تتحول حياتها إلى مجرد خبر عابر في الصحف لأن شخصًا ما لم يبلغ السن القانونية قرر الجلوس على مقعد القيادة ؟
وهنا تبرز عدة تساؤلات لا تقل أهمية:
من الذي سمح له بذلك؟من الذي أعطاه مفتاح السيارة ؟من الذي يُحاسب ؟ أهو أم صديقته التي كانت تقود وكلاهما لم يبلغ الرشد ، أم الأب المستهتر الذي سمح له بذلك ؟
من الذي أقنع نفسه أن الأمر بسيط، وأن قيادة مركبة من قبل قاصر ليست سوى تجربة عابرة أو مغامرة شبابية طائشة ؟
إن المسؤولية لا تتوقف عند السائق وحده، بل تمتد أخلاقيًا إلى كل من ساهم في تمكينه من ارتكاب هذا الخطأ المؤلم .
فالسيارة ليست لعبة إلكترونية يمكن لأي شخص إعادة تشغيلها إذا خسر الجولة.
والطريق ليس ساحة للتجارب على المارة ، والأرواح ليست أرقامًا يمكن تعويضها من حين لآخر .فهناك أم تنتظر ابنتها ولن تعود ، وهناك أسرة ستبقى تنظر إلى مقعد فارغ كل يوم على مائدة الطعام .
وقبل هذا وبعده هناك أحلام فتاة دفنت تحت عجلات الاستهانة بأرواح الأبرياء .
إنّ المجتمع بأكمله مطالب أنْ يسأل نفسه: كم روحًا أخرى يجب أن نفقد قبل أن ندرك خطورة التساهل مع القيادة دون رخصة أو دون السن القانونية؟
إنْ أكثر ما يؤلم في قصة بائعة الشاي هو أنّها لم تكن في سيارة، ولم تكن طرفًا في سباق، ولم تكن تشارك في مغامرة متهورة.
فقط كانت تعمل لتكسب رزقهابالحلال ،كانت تحاول أن تعيش بكرامة ،ثم جاء شاب مستهتر لم يكن ينبغي له أصلًا أن يقود سيارة، فقتل حقها في الحياة.

ولا شك أن القصاص يكون عبرة لمن يعتبر والعدالة مطلوبة، ولكن ليس ذلك فحسب فالأهم من العدالة بعد وقوع المأساة هو منع المأساة القادمة.
فإلى كل أب يسمح لابنه القاصر بقيادة سيارة، وإلى كل مالك مركبة يسلم مفاتيحه لمن لا يملك أهلية القيادة، عليهم جميعا أن يتذكروا جيدا أن النتيجة قد لا تكون مجرد مخالفة مرورية، بل قد تكون جنازات جديدة، وأمهات جديدة تبكي، وأسر جديدة تتحطم ، وأكف الثكالى ترفع إلى الله للشكوى والدعاء على الظالم ، وحزن كبير يخيم على المجتمع بأكمله .
لقد رحلت بائعة الشاي ورحل معها حلمها البسيط ، ولن يتذكر كثيرون اسمها بعد أسابيع أو أشهر ،لكن يجب أنْ نتذكر قصتها.
ونتذكر أن خلف كل حادث، كان هناك شخص يحلم .
رحم الله تلك الفتاة المكافحة، وجعل قصتها جرس إنذار يوقظ الضمائر، وصرخة مدوية في وجه الاستهتار بأرواح الأبرياء، ورسالة لكل من يظن أن مخالفة القانون أمر بسيط.
فقد يفلت الإنسان من رقابة البشر، لكنه لن يفلت أبدًا من عدالة السماء، حيث لا تضيع الحقوق، ولا يضيع دم المظلوم، وحيث يكون حكم الله أعدل وأقوى وأنفذ من كل الأحكام.

عاطف البطل يكتب : من قتل بائعة الشاي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *