بين الاتهام والحقيقة… أين يقف الحق؟

🔗 رابط مختصر للمشاركة

كتب/ عاطف البطل

كاتب صحفي، عضو جمعية الصحفيين الإماراتية. 

ماذا لو طالبت بحقك، فاكتشفت في لحظة أنك لم تعد مطالبًا بإثبات حقك، بل بإثبات أنك لم ترتكب ما اتُّهمت به؟  فقد يبدأ الأمر بخلاف بسيط على أجرة، أو مطالبة بحق، أو رفض تقديم خدمة مجانية، أو مشادة عابرة بين شخصين، ثم يتغير مسار الموقف كله، ويظهر اتهام خطير لا يبدو مرتبطًا بجوهر الخلاف، ففي تلك اللحظة، لا يعود السؤال: من صاحب الحق؟ بل يصبح: كيف يدافع الطرف الآخر عن نفسه؟

تتداول منصات التواصل الاجتماعي من وقت إلى آخر وقائع يثار حولها جدل بشأن استخدام اتهامات خطيرة في خلافات لا تبدو مرتبطة بها، ومنها مواقف تتعلق بأجرة أو خدمة أو مطالبة بحق. وقد تكون بعض هذه الوقائع حالات متفرقة اكتسبت حجمًا أكبر بسبب سرعة انتشارها على المنصات؛ ولذلك لا يصح التعامل معها باعتبارها ظاهرة عامة من دون أدلة وإحصاءات، كما لا يصح تحويل ما يُتداول إلى حقيقة ثابتة، أو افتراض كذب أي شخص لمجرد أن روايته أثارت الشك.لكن هذا الجدل يفرض سؤالًا يستحق التوقف أمامه: ماذا يحدث عندما يتحول الاتهام إلى وسيلة لإسقاط حق أو ممارسة ضغط على الطرف الآخر؟

وعندما يتعلق الأمر باتهام بالتحرش، تصبح المسألة أكثر حساسية؛ فالتحرش جريمة حقيقية، وضحاياه الحقيقيون يستحقون الحماية والإنصاف، ولا يجوز أن يؤدي الحديث عن الاتهامات الكاذبة إلى التشكيك في كل امرأة تتعرض للتحرش أو تتقدم ببلاغ. وفي المقابل، إذا ثبت أن اتهامًا اختُلق عمدًا للضغط أو الانتقام أو التهرب من دفع حق مستحق، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف عابر؛ لأن الاتهام الكاذب قد يسيء إلى إنسان بريء، ويضر بسمعته، ويضعف الثقة في البلاغات الحقيقية.

والتمييز هنا مهم؛ فالخطأ في تقدير موقف، أو اختلاف الروايات حول ما حدث، لا يعني بالضرورة كذبًا متعمدًا، أما الاتهام الكاذب، فهو شيء آخر، ويقتضي ثبوت التعمد في اختلاق ما لم يحدث، وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول الخوف من الاتهام الكاذب إلى ذريعة لتخويف الضحايا الحقيقيين أو ثنيهم عن طلب الحماية.

وفي ضوء ما انتشر من فيديوهات لبعض النساء التي تدعي تحرش بعض الرجال بهن على خلاف الحقيقة؛ فإني أؤكد أنّ هذا المقال لا يدافع عن رجل لمجرد أنه رجل، ولا يشكك في امرأة لمجرد أنها امرأة؛ إنه يدافع عن مبدأ واحد، وهو ألا تتحول التهمة إلى بديل عن الدليل، فالحقيقة لا تنحاز إلى رجل لأنه رجل، ولا إلى امرأة لأنها امرأة؛ وإنما تنحاز إلى الدليل.

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع أن يتحول الاتهام إلى وسيلة لإسقاط الحق، فإذا كان الخلاف على أجرة، فليكن النقاش حول الأجرة، وإذا كان هناك حق مستحق، فليكن الطريق إلى الحصول عليه واضحًا، وإذا تعرض أحد الطرفين فعلًا لتجاوز أو اعتداء، فليتقدم بما لديه من أدلة إلى الجهات المختصة.

أما أن ينتقل الخلاف من موضوعه الأصلي إلى اتهام خطير، ثم يصبح الطرف الذي كان يطالب بحقه مطالبًا بالدفاع عن سمعته، فهنا نكون أمام مشكلة تتجاوز تفاصيل الواقعة؛ لأن الإنسان قد يتردد في المطالبة بحقه، لا لأنه لا يملكه، وإنما لأنه يخشى أن يتحول الخلاف إلى اتهام.فقد يتردد السائق في المطالبة بأجرته، أو العامل في رفض ما ليس من واجبه، أو الموظف في قول “لا”، وقد يفكر مرتين قبل أن يدخل في نقاش مع شخص غريب. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين يصبح الخوف من الاتهام أقوى من الثقة بالحق.

وفي الماضي، كان الإنسان إذا وقع في موقف يحتاج فيه إلى شاهد، يبحث عن شخص رأى ما حدث، أما اليوم، فقد أصبح الشاهد في جيبه: كاميرا الهاتف، والتسجيل الصوتي، والرسائل، والمحادثات، والصور، والموقع الجغرافي، فكل شيء تقريبًا يمكن أن يتحول إلى وسيلة توثيق، وقد يكون ذلك مفيدًا في حماية الحقوق وإثبات الوقائع، لكنه يفرض سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل أصبحنا بحاجة إلى توثيق كل شيء لأننا لم نعد نثق في بعضنا؟ وهل إذا استقللت سيارة أجرة يجب أن أبدأ التسجيل؟ وهل إذا تحدثت مع شخص لا أعرفه ينبغي أن أفتح الكاميرا؟ وهل إذا طالبت بحقي يجب أن أبحث أولًا عن شاهد؟ وهل أصبح الإنسان يشعر بأنه مطالب بإثبات براءته قبل أن تثبت إدانته؟

إذا وصلنا إلى هذه المرحلة، فالمشكلة لم تعد في الهاتف، وإنما في مجتمع يشعر فيه الإنسان أنه يحتاج دائمًا إلى وسيلة دفاع عن نفسه. وليس التوثيق هو المشكلة؛ فالمشكلة الحقيقية أن نصل إلى مرحلة نشعر فيها بأننا عاجزون عن حماية حقوقنا من دونه،وعندما تقع واقعة حقيقية، فالأفضل هو الحفاظ على الهدوء، والاحتفاظ بما يتوافر من أدلة، واللجوء إلى الجهات المختصة، بدل تحويل الخلاف إلى معركة على مواقع التواصل.وهنا يجب أن نفرق بين ادعاء يحتاج إلى التحقق، وبلاغ رسمي يخضع للتحقيق، واتّهام يتحول إلى مادة للتشهير على مواقع التواصل، فإذا كان من حق الإنسان أن يوثق ما يراه ضروريًا لحماية نفسه، فليس معنى ذلك أن كل ما يصوره يصبح مباحًا للنشر.

و هناك فرق كبير بين أن تحتفظ بدليل لتقدمه إلى الجهات المختصة، وبين أن تنشر صورة إنسان أو مقطعًا له، وتترك ملايين المتابعين يمارسون دور القاضي، فمواقع التواصل ليست محكمة، وعدد المشاهدات ليس دليلًا، والتعليقات ليست حكمًا، والانتشار لا يحول الرواية إلى حقيقة.

فالمقطع المصور، مهما بدا واضحًا، قد يكشف لحظة، لكنه لا يروي بالضرورة ما سبقها أو ما تلاها، وغياب التسجيل، في المقابل، لا يعني بالضرورة غياب الواقعة؛ فهناك مواقف تحدث في لحظات لا تسمح بالتوثيق، ولهذا تبقى مهمة التحقق من الوقائع للجهات المختصة، لا للكاميرا وحدها، ولهذا فإن التوثيق للحماية شيء، والتشهير للانتقام شيء آخر تمامًا.

لقد أسهمت وسائل التواصل، بما تمنحه من سرعة في النشر وانتشار الروايات قبل التحقق منها، في جعل الشك أسرع من الحقيقة، فقد تنتشر رواية في دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت حتى تثبت نفسها.ومن ثم، فإن حماية المجتمع لا تكون فقط بمحاسبة من يتعمد اختلاق اتهام كاذب إذا ثبت ذلك، وإنما أيضًا بتعزيز ثقافة التثبت قبل النشر، واحترام حق الإنسان في ألا يتحول إلى متهم أمام جمهور لم يسمع منه ولم يعرف تفاصيل الواقعة.

وليست المشكلة في التكنولوجيا، وإنما في القيم التي نستخدمها في ظلها، فقد تنقذ الكاميرا إنسانًا بريئًا، وقد تكشف واقعة حقيقية، وقد تساعد الجهات المختصة في الوصول إلى الحقيقة، لكنها لا تستطيع أن تقرأ النيات، ولا تستطيع وحدها أن تحكم على الأشخاص، ولا ينبغي أن تتحول اللقطة إلى حكم نهائي.

كما أنّ الثقة لا تُبنى بالضمير وحده؛ وإنما تحتاج أيضًا إلى إجراءات عادلة تضمن للضحية حقها، وللمتهم حقه، وللحقيقة وقتها الكامل كي تظهر، والقانون هو الفيصل في الوقائع التي يختلف عليها الناس، لا مواقع التواصل ولا الانطباعات الشخصية.فالعدالة لا تعني أن نصدق كل اتهام، كما لا تعني أن نكذب كل اتهام، فالعدالة تعني أن نبحث عن الحقيقة.

وربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل نجهز هواتفنا لتوثيق كل شيء؟ بل: ماذا حدث لنا حتى أصبحنا نفكر في الكاميرا قبل أن نفكر في الضمير؟

لقد منحتنا التكنولوجيا قدرة هائلة على التوثيق، لكنها لم تمنحنا قدرة مماثلة على التثبت، ونستطيع أن نصور بسرعة، لكن هل نستطيع أن نتريث؟ ونستطيع أن ننشر في ثوانٍ، لكن هل نستطيع أن نتحقق قبل النشر؟ ونستطيع أن نتهم بكلمة، لكن هل نستطيع أن نتحمل مسؤولية هذه الكلمة؟هذه هي القضية الأعمق، فنحن لا نريد مجتمعًا يراقب فيه كل إنسان الآخر خوفًا من أن يُخدع، ولا مجتمعًا يخشى فيه الإنسان المطالبة بحقه خوفًا من أن يتحول إلى متهم، ولا أن يصبح كل موقف عابر معركة بين روايتين وكاميرتين.والمجتمع الذي يحافظ على توازنه هو الذي يعرف أن الحق يُطلب بالحجة، وأن الاتهام مسؤولية، وأن القانون هو الطريق عندما تتعقد الأمور.

نحن نريد أن نحمي المرأة من التحرش الحقيقي، وأن نحمي الرجل والمرأة معًا من الاتهام الكاذب، وأن نحمي الحقوق دون أن نحولها إلى أدوات للصراع، فربما نحتاج أحيانًا إلى أن نوثق ما يحدث، لكننا لا نريد أن نصل إلى اليوم الذي نصور فيه كل شيء لأننا لم نعد نثق في أحد.فحين يصبح الإنسان خائفًا من أن يطالب بحقه، أو من أن يتحدث مع أحد ، أو من أن يساعد أحدا ، أو حتى من أن يدخل في حوار عابر؛ خشية أن تنقلب كلماته أو أفعاله عليه، فإن المشكلة لم تعد في واقعة بعينها، وإنما في الثقة التي يقوم عليها المجتمع.

وفي الختام فإني أدعو الجميع قبل أن تجهزوا هواتفكم لتوثيق كل شيء، ربما عليكم أن تجهزوا شيئًا أهم من ذلك وهو ضمائركم، وتذكروا أن آخر ما نزل من القرآن الكريم هو قوله تعالى:” واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله” البقرة281

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *