الذكاء الاصطناعي… حين تصبح الآلة شريكًا في التفكير

🔗 رابط مختصر للمشاركة

كتب / عاطف البطل

لم يعد الذكاء الاصطناعي سؤالًا يخص المستقبل؛ فقد أصبح حاضرًا يدخل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، ويكتب معنا، ويحلل المعلومات، ويجيب عن الأسئلة، ويقترح الأفكار، بل ويشارك في مهام كانت، حتى وقت قريب، حكرًا على الإنسان.

ومع هذا التقدم المتسارع، لم يعد السؤال الأهم: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ فقد اتسعت قدراته إلى درجة تجعل الإجابة عن هذا السؤال تتغير كل يوم، أما السؤال الأكثر إلحاحًا فهو: ماذا يبقى للإنسان عندما تصبح الآلة قادرة على الكتابة والتحليل والإجابة؟ وقد تبدو الإجابة سهلة، لكن القضية أعمق من مجرد مقارنة بين الإنسان والآلة؛ لأن المسألة الحقيقية ليست مَن ينتج النص بصورة أفضل، وإنما مَن يتحمل مسؤولية ما يتركه هذا النص في الإنسان.

فالآلة تستطيع أن تكتب مقالًا، وتصوغ رسالة، وتلخص كتابًا، وتقترح فكرة، وتعيد ترتيب الكلمات في صورة تبدو مقنعة، لكنها لا تعيش التجربة التي تكتب عنها، ولا تتحمل وحدها نتائج الفكرة التي تنتجها، وهنا يظهر الفارق الحقيقي؛ فالآلة تنتج النص، لكن الإنسان هو الذي يتحمل مسؤولية المعنى الذي يتركه النص في الآخرين.

ولعل هذا هو التحدي الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي،ألا تتحول القدرة على إنتاج الكلمات إلى بديل عن القدرة على التفكير فيها.

تخيل صحفيًا أمام شاشة حاسوبه في ساعة متأخرة من الليل، يصل إليه خبر عاجل، وتتنافس أمامه الدقائق؛ يضع العنوان، أو يطلب من أداة للذكاء الاصطناعي أن تقترحه، ثم يحصل خلال ثوانٍ على مقدمة جاهزة، وصياغة متماسكة، وربما تقرير كامل، فكل شيء يبدو صحيحًا.

لكن بين السطور معلومة لم يتم التحقق منها، أو رقم يحتاج إلى مراجعة، أو عبارة قد تظلم شخصًا، أو عنوان جذاب قد يشعل موجة من الجدل، فهنا تتوقف قدرة الآلة، وتبدأ مسؤولية الصحفي.

فالسؤال لم يعد: هل تستطيع الآلة أن تكتب الخبر؟ بل: هل يستطيع الصحفي أن يعرف ما الذي يستحق النشر، وما الذي يجب التحقق منه، وما الذي ينبغي ألا يُنشر أصلًا؟

وهنا تحديدًا يصبح الذكاء الاصطناعي اختبارًا جديدًا للصحافة، لا مجرد أداة جديدة في غرف الأخبار، فالصحافة ليست سباقًا في سرعة إنتاج الكلمات، وليست صناعة عناوين تجذب أكبر عدد من القراء؛ إنها، قبل ذلك، مسؤولية تجاه الحقيقة والإنسان والمجتمع. ولذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مساعدًا بالغ القيمة في البحث والتحليل والمقارنة وتلخيص المعلومات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الحكم المهني.

فالصحفي الذي يستخدمه لا يكفيه أن يسأل: هل النص جيد؟ وإنما عليه أن يسأل: هل هو صحيح؟ وهل هو عادل؟ وهل من المسؤولية أن أنشره؟ومن هنا، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الصحافة قد يجعل الصحفي الجيد أكثر أهمية، لا أقل؛ لأن الآلة تستطيع أن تزيد سرعة الوصول إلى المعلومة، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان ضميرًا مهنيًا يقرر كيف يتعامل معها.

وهذا لا يخص الصحافة وحدها، فالطالب يستطيع أن يطلب من الآلة أن تكتب بحثه، والموظف أن يصوغ تقريره، والكاتب أن يبني له أفكاره، والإنسان العادي أن يجعلها تكتب عنه رسائله ومواقفه.ولا مشكلة في استخدام هذه الأدوات ما دام الإنسان هو من يقودها، ولكن المشكلة تبدأ عندما نستخدم الآلة لتوفير الجهد، ثم نكتشف أننا وفرنا معها شيئًا أخطر ، وهو ممارسة التفكير نفسها.

فإذا اعتاد الإنسان أن يسأل الآلة عن كل شيء، وأن يطلب منها أن تكتب بدلًا منه، وتقترح له، وتختار عنه، فقد يصل إلى مرحلة لا تصبح فيها المشكلة أن الآلة أصبحت أذكى، وإنما أن الإنسان أصبح أقل استخدامًا لعقله.وهنا تظهر المفارقة التي تستحق أن نتوقف أمامها:أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان، بل أن يصبح الإنسان مستعدًا للتنازل عن عقله لها.

فلا ينبغي أن تكون علاقتنا بالذكاء الاصطناعي علاقة استسلام، كما لا ينبغي أن تكون علاقة خوف دائم، فالمطلوب علاقة أكثر نضجًا: آلة توسع قدرة الإنسان، وإنسان يحدد إلى أين تذهب هذه القدرة.فالآلة تستطيع أن تقترح عشرات الإجابات، لكن الإنسان هو الذي يختار واحدة منها ويتحمل نتائجها، كما أنها تستطيع أن توفر معلومات كثيرة، لكن الإنسان هو الذي يقرر أيها يستحق أن يُستخدم، وقد تساعد الكاتب على صياغة تجربته، لكنها لا تستطيع أن تمنحه تجربة عاشها ولم يعشها.

وهنا يتضح الفرق بين المعلومة والمعنى، فالمعلومة يمكن تخزينها واستدعاؤها وتحليلها، أما المعنى فيتصل بالاختيار، وبالقيم، وبالسياق، وبالنتيجة التي قد تتركها الكلمة في حياة إنسان آخر.ولهذا فإن قيمة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون في قدرته على منافسة الآلة في السرعة أو استدعاء المعلومات؛ فالآلة قد تتفوق عليه في كثير من هذه المجالات، وإنما ستظل قيمته في قدرته على الاختيار وتحمل مسؤوليته، وهذا هو الفارق بين استخدام التكنولوجيا والاستسلام لها.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بما إذا كانت الآلة ستتفوق على الإنسان؛ فمن المؤكد أنها ستتفوق عليه في بعض المهام، وربما تتجاوز ما نتخيله اليوم في مهام أخرى، ولكن القضية الأهم هي: هل سيظل الإنسان قادرًا على التفكير والاختيار عندما تصبح الآلة مستعدة لأن تفكر معه في كل شيء؟

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي ، فقد تصبح الآلة قادرة على كتابة النص كاملًا، لكن اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن ينشره تظل لحظته هو؛ فقد تتسع قدرة الآلة على إنتاج الكلمات، لكن مسؤولية الكلمة تظل على الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *