وطنٌ يسكن فينا

كتب/ عاطف البطل
ليس الوطن مجرد أرض نمشي فوقها، ولا حدودًا جغرافية تحيط بنا، ولا وثيقة نحملها في حقائبنا، وإنما هو حكاية طويلة تبدأ من أول بيت عرفناه، ومن أول شارع احتضن خطواتنا الأولى، ومن أول مدرسة تعلمنا فيها، ومن وجوه أحببناها وارتبطت ذاكرتنا بها، ومن تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة للآخرين، لكنها تظل في داخلنا جزءًا من تكويننا وذاكرتنا وهويتنا. ولذلك يستطيع الإنسان أن يبتعد عن وطنه، وأن يعيش سنوات طويلة بعيدًا عنه، لكنه لا يستطيع بسهولة أن ينتزع وطنًا نشأ فيه من أعماقه، لأن بعض الأوطان لا تسكن الأرض بقدر ما تسكن القلوب.
فحب الوطن شعور فطري عميق يتوافق مع طبيعة الإنسان؛ فالإنسان بطبيعته يتعلق بالمكان الذي نشأ فيه، ويحن إلى أرضه وأهله وذكرياته، ويشعر بالفخر عندما يرى وطنه قويًا مزدهرًا، وبالألم عندما يمر بوطنه ظرف صعب أو أزمة قاسية، ولذلك لم يكن غريبًا أن يظل الوطن حاضرًا في وجدان الإنسان حتى عندما تبتعد عنه المسافات.
ولنا في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد واضح على عمق هذا الشعور الإنساني؛ فقد عبّر عن حبه لمكة المكرمة عندما غادرها، فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت»، وهي كلمات تحمل في معناها العميق صورة صادقة لعلاقة الإنسان بأرضه، وتؤكد أن الارتباط بالوطن ليس مجرد شعار، وإنما إحساس أصيل يمكن أن يسكن أعماق الإنسان.لكن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف أمامه طويلًا ليس: هل نحب الوطن؟ وإنما السؤال الأهم: كيف نثبت أننا نحبه؟
فهنا تبدأ الحقيقة؛ لأن حب الوطن لا ينبغي أن يبقى مجرد كلمات نرددها في المناسبات، أو أعلام نرفعها في الاحتفالات، أو عبارات نكتبها على الصفحات، ثم نعود بعدها إلى ممارسة سلوك يناقض كل ما نقوله؛ فالوطنية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت في الحديث عن الوطن، وإنما بما يقدمه الإنسان لوطنه من عمل وإخلاص وأمانة، وبمدى احترامه للقانون، وحرصه على مصالح الناس، وإتقانه لمهنته، ورفضه للفساد، وحفاظه على الممتلكات العامة، وشعوره بأن كل ما يفعله مهما بدا صغيرًا، يمكن أن يترك أثرًا في وطنه.
فليس كل من قال: «أنا أحب وطني» وطنيًا بالضرورة، وليس كل من رفع العلم قد أدى واجبه تجاه وطنه، فالوطنية الحقيقية أن تكون أمينًا عندما لا يراقبك أحد، وأن تؤدي عملك بإخلاص حتى عندما لا ينتظر منك أحد كلمة شكرًا، وأن تحافظ على المال العام كما تحافظ على مالك، وأن تحترم الكبير، وترحم الضعيف، وتساعد المحتاج، وأن ترفض الظلم والفساد، وأن تدرك أن المواطن الآخر ليس خصمًا لك، وإنما شريك معك في وطن واحد، تجمعكما أرض واحدة ومصالح مشتركة ومستقبل واحد.
وقد تغنى الشعراء بأوطانهم، لأنهم أدركوا أن الوطن ليس مكانًا فقط، وإنما ذاكرة ووجدان وهوية؛ فقال أحمد شوقي:
وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
وهكذا ظل الوطن حاضرًا حتى عندما غاب، وبقي في الذاكرة حتى عندما ابتعدت عنه الأجساد، لأن الإنسان قد يستطيع أن يغير مكان إقامته، لكنه لا يستطيع أن يغير ذاكرته الأولى بسهولة، ولا أن يمحو من وجدانه الأرض التي صنعت جزءًا من شخصيته.
غير أن حب الوطن لا يكتمل بالكلمات، وإنما يظهر بصورة أوضح عندما يتعرض الوطن للخطر، سواء كان الخطر خارجيًا يستهدف أمنه واستقراره، أم داخليًا يحاول أن يشق صف أبنائه ويفرق بينهم؛ فالأوطان لا يهددها العدو الخارجي وحده، وإنما قد يكون أخطر ما يهددها هو الانقسام الداخلي، حين يتحول الاختلاف في الدين أو المذهب أو الفكر أو السياسة إلى كراهية وصراع، وحين يصبح الإنسان مستعدًا لأن يخسر وطنه من أجل انتصار جماعته.
وهنا يجب أن ندرك أن الطائفية حين تتقدم على الوطن تصبح خطرًا على الوطن نفسه، وأن اختلاف الناس في معتقداتهم وأفكارهم لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتمزيق المجتمع أو هدم الدولة أو تحويل أبناء الوطن الواحد إلى خصوم دائمين؛ فالوطن يتسع للجميع، وقوته الحقيقية في قدرته على جمع أبنائه رغم اختلافاتهم، لا في محاولة إلغاء اختلافاتهم.
كما أن الوطنية لا تعني أن نحب الوطن في أوقات الرخاء فقط، ثم نتخلى عنه عند الشدائد، وإنما أن نظل أوفياء له في جميع الظروف، وأن نبحث عن إصلاح أخطائه بدلًا من التشفي فيها، وأن ننتقد ما نراه خطأً بهدف التقويم لا الهدم، وأن ندرك أن حب الوطن لا يعني التغاضي عن مشكلاته، كما أن الحديث عن المشكلات لا يعني بالضرورة كراهية الوطن.
والوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأطول عمرًا من الحكومات والقيادات، فالأشخاص يرحلون، والمناصب تتغير، والظروف تتبدل، لكن الوطن يبقى؛ ولذلك فإن انتماءنا إليه يجب ألا يكون مرتبطًا بشخص أو منصب أو ظرف، وإنما يجب أن يكون انتماءً ثابتًا لوطن نراه بيتنا الكبير ومستقبل أبنائنا وأحفادنا.
ومن هنا تأتي مسؤوليتنا تجاه الأجيال الجديدة؛ فعلينا ألا نكتفي بتعليم أطفالنا نشيد الوطن أو أسماء رموزه، وإنما يجب أن نعلمهم معنى الانتماء الحقيقي، وأن نزرع في داخلهم احترام القانون، وإتقان العمل، والصدق، والأمانة، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الآخرين، ومساعدة المحتاج، والاعتزاز بالهوية؛ لأن الطفل الذي يتعلم هذه القيم منذ الصغر سيكبر وهو يدرك أن الوطن ليس مكانًا يحصل منه على الحقوق فقط، وإنما مسؤولية يؤدي تجاهها واجبات أيضًا.
فالأم التي تربي أبناءها على الصدق والانتماء تؤدي دورًا وطنيًا، والمعلم الذي يبني عقل الطالب يؤدي دورًا وطنيًا، والطبيب الذي يؤدي عمله بإخلاص يؤدي دورًا وطنيًا، والعامل الذي يتقن عمله يؤدي دورًا وطنيًا، والموظف الذي ينجز مصالح الناس بأمانة يؤدي دورًا وطنيًا، وكل إنسان يحافظ على وطنه في موقعه، مهما كان موقعه بسيطًا، يشارك بطريقة أو بأخرى في بناء وطن أقوى.فليس شرطًا أن تحمل سلاحًا حتى تدافع عن وطنك؛ فأحيانًا يكون إتقانك لعملك صورة من صور الدفاع عنه، وليس شرطًا أن تقدم حياتك حتى تثبت حبك له؛ فقد يكون أن تقدم له سنوات عمرك في العمل والإخلاص والعطاء أعظم صور الوفاء.
إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا يحميها الكلام الجميل، وإنما يبنيها ملايين الأشخاص الذين يؤدون واجباتهم بإخلاص، ويعرف كل واحد منهم أن موقعه، مهما كان صغيرًا، جزء من الصورة الكبرى.ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسأل كل واحد منا نفسه:ليس: ماذا أعطاني وطني؟وإنما:ماذا قدمت أنا لوطني؟ ماذا قدمت في عملي؟ماذا قدمت لأسرتي؟ ماذا قدمت لمجتمعي؟ هل كنت أمينًا؟ هل أتقنت عملي؟ هل احترمت القانون؟ هل حافظت على الممتلكات العامة؟ هل ساعدت إنسانًا يحتاج إليّ؟ هل تركت خلفي أثرًا طيبًا؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تكون أصدق من آلاف الشعارات التي نرددها عن الوطنية، فحب الوطن ليس أن تقول فقط: هذا وطني، وإنما أن تجعل سلوكك يقول قبل لسانك: هذا وطن أستحق أن أنتمي إليه، ويستحق أن أخلص له.
وفي النهاية، سيبقى الوطن هو البيت الأكبر الذي يجمعنا، والذاكرة التي لا نستطيع التخلي عنها، والمسؤولية التي تنتقل من جيل إلى جيل؛ ولذلك فإن أعظم ما نستطيع أنْ نتركه لأبنائنا ليس مجرد كلمات محفوظة عن حب الوطن، وإنما سلوكًا يرونه أمام أعينهم، وقيمًا يعيشونها، وضميرًا يعرف أن الوطن لا يحتاج إلى من يتغنى بحبه فقط، وإنما يحتاج إلى من يعمل من أجله، ويحافظ عليه، ويخلص له، ويتركه للأجيال القادمة أفضل مما وجده،فالوطن لا يحتاج منا أن نقول كثيرًا: نحن نحبه،بقدر ما يحتاج أن يرى في أفعالنا ما يثبت ذلك. فتلك هي الوطنية حين تتحول من كلمة تُقال… إلى مسؤولية تُعاش.






