صناعة المحتوى.. أم بيع الخصوصية؟

كتب / عاطف البطل
كاتب صحفي وعضو جمعية الصحفيين الإماراتية .
العين تخطئ والحواس تكذب.. فلا تجعل هوس (التريند) وتذكرة العبور السريعة تفقدك أثمن ما تملك!
فالكثير من الناس يبيعون خصوصيتهم اليوم من أجل المشاهدات أو “اللايكات”. وقد حذرتُ في مقال سابق لي من خطورة هذا المسلك، ومدى انهيار حدود الخصوصية والحياة الشخصية، وتلاشي الخطوط الحمراء لدى بعض صناع المحتوى؛ تلهفاً وسعياً وراء النقرات، والمشاهدات، والتفاعل الزائف.
فبعضهم بات يقوم بتصوير مقاطع الفيديو أو الصور التي تعبر عن اللحظات والمواقف الخاصة جداً، والتي من المفترض والمستقر عليه أن تبقى حبيسة الغرف المغلقة. وما زلت أكرر بأن هذا التصرف يعد انتهاكاً صارخاً لـ “حرمة الحياة الخاصة” بغرض الشهرة وجني الأرباح، بل يمثل انحداراً بكل القيم مقابل الحصول على تذكرة عبور سريعة لتريندات السوشيال ميديا.
مواقع التواصل الاجتماعي.. اختراق الحدود
لقد اخترقت هذه المنصات كلَّ الحدود والحواجز، وفتحت كلَّ الأبواب المغلقة؛ فانتهكت الحياة الخاصة، وفرّقت بين الأزواج، وأبعدت صلة الرحم عن أرحامها، وشتّتتْ شمل الأسرة، حتى أصبح كل فرد فيها منكفئاً على نفسه لا يرغب في أسرته. ونتيجة لذلك، شاعت الأمراض النفسية والاجتماعية وحتى البدنية، وأصبح لا ملجأ منها ولا مهرب عنها إلا لذوي البصر والبصيرة.. فهل نعتبر؟!
إنّ ما يُكتب من عبارات على منصات التواصل الاجتماعي إنما هو مرآة تعبر عن أفكارنا، معتقداتنا، وسلوكنا. لذا، فلنحرص على اختيار ألفاظنا التي تعبر بدقة عن أفكارنا حتى لا يفهمنا الآخرون بشكل خاطئ. وعلينا أن نعلي من ثقافة احترام الآخرين، فالاحترام يدل على حسن التربية وإن كان لا يدل بالضرورة على الحب. وتذكروا دائماً: ليس عليكم أن تقنعوا الآخرين، ولكن من المهم أن تكون الأدلة والبراهين قوية يقبلها العقل ويوافقها المنطق.
حمّى الأحكام الجزافية والخداع البصري
لقد انتشرت في الآونة الأخيرة حمّى الأحكام على الأحداث، وأصبحت تُطلق جُزافاً دون تثبت من حقيقة الأمر، فنظلم بفعلها صديقاً، أو قريباً، أو مؤسسة، أو حتى حكومة..
فهنا نجد أحدهم يحاول أن يجادل في تبرير موقفه رغم أنه ليس من الضروري أن يفعل ذلك، وهناك مَن يستفسر عن الهدف ويحسن الظن. ولكن، علينا الانتباه جيداً وألا تخدعنا صورة أو مقطع فيديو من هنا أو هناك، فكلاهما قد يكون كاذباً ماكراً، صُنع لهدف خبيث يؤدي إلى حقد، أو كراهية، أو فقدانٍ للثقة.
وقد قال الجاحظ -رحمه الله-:
“لعَمْري إن العيونَ لتكذب وإنّ الحواس لتخطئ، وما الحكمُ القاطعُ إلا للذهن”.
فعلينا أن نتدبر بعقولنا قبل عيوننا وحواسنا.
فخ المفاخرة وباب الهلاك
على صعيد آخر، نجد أن مرض المفاخرة قد استشرى على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فبعض الناس قد يصور سيارةً فارهة، أو منزلاً جميلاً، أو طعاماً كثيراً لذيذاً، أو يصور أبناءه وبناته دون أدنى ضرورة، ثم ينشر ذلك على الملأ بهدف التباهي على الآخرين، وهو لا يدري أن هذا السلوك قد يكون سبباً مباشراً في هلاكه!
وهذه رسالة نوجّهها إلى كل من ابتلي بالمفاخرة وحب التباهي، إذ يقول العلامة ابن حزم الأندلسي -رحمه الله-:
“كم رأينا من فاخر بما عنده من المتاع، فكان ذلك سبباً لهلاكه بعين حاسد أو كيد عدو، فإيّاك وهذا الباب فإنه ضرٌّ محضٌ لا منفعة فيه أصلاً”.
وكم رأينا وعايشنا الكثير ممن فعلوا ذلك -ممن نعرفهم وممن لا نعرفهم- نشروا وتفاخروا دون عِبرة مما يحدث حولهم، فرأيناهم قد أصابهم الحسد؛ فأصيبوا في أنفسهم أو أموالهم، أو ماتوا من عين حاسدٍ، وحقد حاقدٍ، أو كيد عدوٍ، أو لصٍ ماكرٍ مخادع.
فلنبتعد عن ذلك كله، فلا فائدة منه تُرتجى، ولا منفعة فيه تُبتغى.






