البروفيسور المصري عمرو الشواربي: حين يلتقي العلم بالإرادة وتصبح الجراحة فنًّا لإنقاذ الحياة. 

🔗 رابط مختصر للمشاركة

 

تقرير / عاطف البطل 

مدير التحرير بدولة الإمارات العربية المتحدة .

في تاريخ الطب، لا تُخلَّد أسماء الأطباء بعدد العمليات التي أجروها، ولا بعدد المناصب التي تقلدوها، وإنما بما يتركونه من أثر في حياة الناس، وبما يضيفونه إلى المعرفة الإنسانية من إنجازات تبقى بعدهم.

ومن بين هذه الأسماء يبرز البروفيسور المصري عمرو الشواربي، بوصفه واحدًا من أبرز جراحي المخ والأعصاب والعمود الفقري في العالم العربي، وطبيبًا استطاع أن يجعل من الدقة العلمية منهجًا، ومن الابتكار الجراحي رسالة، ومن الإنسان محورًا لكل نجاح.

إنها مسيرة لم تُبنَ على المصادفة، وإنما على سنوات طويلة من الدراسة والبحث والعمل المتواصل، بدأت في كلية الطب بجامعة الإسكندرية، حيث تفتحت موهبته العلمية، قبل أن يشد الرحال إلى ألمانيا، الدولة التي تُعد إحدى أهم مدارس جراحة الأعصاب في العالم، ليحصل على الدكتوراه والبورد الألماني في جراحة المخ والأعصاب، ويخوض تجربة علمية ثرية داخل المعهد الدولي لعلوم الأعصاب بمدينة هانوفر، حيث تشكلت شخصيته الجراحية وفق أعلى المعايير العالمية.

لكن الطموح الحقيقي لا يقف عند حدود التميز الشخصي، بل يبحث دائمًا عن ميادين جديدة للعطاء.

لذلك، جاء انتقاله إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2006 نقطة تحول مهمة، ليس في مسيرته فحسب، بل في مسيرة جراحة المخ والأعصاب بالمنطقة.

فمن خلال رئاسته لقسم جراحة المخ والأعصاب في مستشفى توام، شارك في تأسيس أول برنامج متكامل لعلاج السكتة الدماغية، وأسهم في تطوير خدمات جراحة أعصاب الأطفال، والتحفيز العصبي، وجراحات العمود الفقري الدقيقة، واضعًا خبرته العالمية في خدمة منظومة صحية تتطلع إلى الريادة.

ولأن القادة الحقيقيين لا يصنعون الإنجازات داخل مؤسساتهم فقط، امتد تأثير البروفيسور عمرو الشواربي إلى المحيط العلمي الإقليمي والدولي، فتولى رئاسة الجمعية العربية لجراحة المخ والأعصاب، ورئاسة جمعية الإمارات لعلوم الأعصاب، كما اختير نائبًا لرئيس الاتحاد العالمي لجمعيات جراحة الأعصاب، وذلك في موقع يعكس الثقة التي يحظى بها بين كبار المتخصصين في العالم.

وفي موازاة حضوره المهني، كان حضوره العلمي أكثر اتساعًا ، فقد نشر أبحاثًا في مجلات طبية دولية محكَّمة، وشارك في تطوير تقنيات جراحية حديثة، وأصبح متحدثًا دائمًا في المؤتمرات العالمية، ناقلًا خبرته الكبيرة ، ومشاركًا في صياغة مستقبل هذا التخصص الذي يتطور بوتيرة متسارعة.

ومن الإنجازات التي استوقفت المجتمع الطبي، نجاحه في إجراء أول عملية لاستئصال ورم بالعمود الفقري كتلة واحدة (En Bloc Resection) مع الحفاظ على استقرار العمود الفقري، وهي من العمليات التي تُعد اختبارًا حقيقيًا لمهارة الجراح، لما تتطلبه من دقة متناهية وخبرة استثنائية.

كما كان البروفسور عمرو الشواربي وراء حصول المؤتمر العاشر للجمعية العربية لجراحة المخ والأعصاب، الذي استضافته أبوظبي، على اعتماد الجمعية الطبية الأمريكية للتعليم الطبي المستمر (CME)، وهو إنجاز عزز المكانة العلمية للمؤتمر، وفتح آفاقًا أوسع للتعاون الأكاديمي وتبادل الخبرات.

غير أن ما يمنح تجربة البروفيسور عمرو الشواربي خصوصيتها، ليس حجم المناصب التي تقلدها ولا عدد الإنجازات التي حققها، وإنما طبيعة الحالات التي اختار أن يكرس لها خبرته.

فقد ارتبط اسمه بعلاج أكثر أمراض الجهاز العصبي تعقيدًا؛ من أورام المخ، وأورام الحبل الشوكي، وجراحات قاعدة الجمجمة، إلى إصابات العمود الفقري، والانزلاقات الغضروفية، وتضيق القناة الشوكية، وجراحات أعصاب الأطفال، والأعصاب الطرفية، وهي جميعها مجالات لا تقبل الخطأ، لأن الفارق بين النجاح والإخفاق قد لا يتجاوز أجزاءً من المليمتر.

ولهذا، كثيرًا ما يُحال إليه المرضى الذين استعصت حالاتهم على الحلول التقليدية، سواء كانت أورامًا تقع في مناطق شديدة الحساسية من الدماغ، أو جراحات إعادة عمليات سابقة، أو تدخلات دقيقة تستهدف الحفاظ على الوظائف العصبية مع تحقيق أفضل النتائج العلاجية.

ورغم هذا السجل الحافل، لا يتحدث المقربون منه عن طبيب يكتفي بإجراء العمليات، بل عن معلم يؤمن بأن المعرفة مسؤولية، وأن الخبرة لا تكتمل إلا إذا انتقلت إلى جيل جديد من الأطباء.

ولهذا، أولى اهتمامًا خاصًا ببرامج الزمالة والتعليم الطبي المستمر، والإشراف على تدريب جرّاحي الأعصاب، وإلقاء المحاضرات في المؤتمرات العلمية الدولية، إيمانًا منه أنّ بناء الإنسان لا يقل أهمية عن علاج الإنسان.

لقد أثبتت تجربة البروفيسور عمرو الشواربي أنّ الطب ليس مهنة فحسب، بل مشروع حضاري تتكامل فيه المعرفة مع الضمير، والخبرة مع المسؤولية، والبحث العلمي مع الرحمة.

وفي زمن تتسارع فيه الاكتشافات الطبية، يبقى الطبيب الحقيقي هو من يجعل العلم وسيلة لحماية الحياة، ويحوّل غرفة العمليات إلى مساحة للأمل، ويترك وراءه إرثًا من المعرفة قبل أن يترك سجلًا من الإنجازات.

وهكذا، لا يبدو البروفيسور عمرو الشواربي مجرد جراح بارع، بل أحد الوجوه المصرية العربية التي أسهمت في ترسيخ حضور المدرسة الطبية العربية على الساحة العالمية، مؤكدًا أن التفوق لا تحدّه الجغرافيا وأن الإبداع العلمي لغة يفهمها العالم كله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *